ابن قيم الجوزية
519
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
إنكارها ، وهذا شأن النفوس الجاهلة الظالمة ، كما أنكرت وجود الصانع تعالى مع فرط ظهور آياته ودلائل ربوبيته ، بحيث استوعبت كل موجود ، ومع هذا فسمحت بالمكابرة في إنكاره ، وهكذا أدلّة علوّه سبحانه فوق مخلوقاته ، مع شدة ظهورها وكثرتها ، سمحت نفوس الجهمية بإنكارها ، وهكذا سواها كصدق أنبيائه ورسله ، ولا سيما خاتمهم صلوات اللّه وسلامه عليه ، فإنّ أدلّة صدقه في الوضوح للعقول كالشمس في دلالتها على النهار ، ومع هذا فلم يأنف الجاحدون والمكابرون من الإنكار ، وهكذا أدلة ثبوت صفات الكمال لمعطي الكمال هي من أظهر الأشياء وأوضحها ، وقد أنكرها من أنكرها ، ولا يستنكر هذا ، فإنك تجد الرجل منغمسا في النعم ، وقد أحاطت به من كل جانب ، وهو يشكي حاله ، ويسخط مما هو فيه ، وربما أنكر النعمة . فضلال النفوس وغيّها لا حدّ له تنتهي إليه ، ولا سيما النفوس الجاهلة الظالمة . ومن أعجب العجب أن تسمح نفس بإنكار الحكم والعلل الغائيّة والمصالح التي تضمنتها هذه الشريعة الكاملة التي هي من أدلّ الدلائل على صدق من جاء بها ، وأنه رسول اللّه حقا ، ولو لم يأت بمعجزة سواها ، لكانت كافية شافية ، فإن ما تضمنته من الحكم والمصالح والغايات الحميدة والعواقب السديدة شاهدة بأن الذي شرعها وأنزلها أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين ، وشهود ذلك في تضاعيفها ومضمونها كشهود الحكم والمصالح والمنافع في المخلوقات العلوية والسّفلية ، وما بينهما من الحيوان والنبات والعناصر والآثار التي بها انتظام مصالح المعاش . فكيف يرضى أحد لنفسه إنكار ذلك وجحده ؟ وإن تحمّل واستحيى من العقلاء ، قال : ذلك أمر اتّفاقيّ غير مقصود بالأمر والخلق ، وسبحان اللّه ! كيف يستجيز أحد أن يظن برب العالمين وأحكم الحاكمين أنه يعذب كثيرا